السبت، ١٩ حزيران ٢٠١٠

صباح لا يحبل به !





حسنا ، سأتسلَّلُ إلى الجهة الأخرى حيث لا يبقى النبات فترة طويلة كما الجثث في عمق الأرض ، يعصره الضغط فيتحوَّل إلى عفن ، لا عليك قبل ذلك سأدسُّ في يدك صوتك الذي كان يُدغدغ كل خليّةٍ بداخلي ، ويشعل مدائن من الفرح ، تُعلنُ أني مُقبلة على جنائن ورد وسحاب هتان لا يتوانى عن دفق المطر وحشر قصاصات الهوى بين الكتب المعتَّقة بحكايا الصَّباح ، المُشبعة برائحة القهوة ، والمتخمة بقوافل الأنغام الفيروزية التي تصدح من الراديو ، حيث يتَّكىء مرفقك على الجدار ،
يتصيَّدُ رفاهية اللون ، بينما تحوم عيناك حول أصيص الأزهار على الطاولة كـ زِينةٍ ترتجلُ أناقتها .



الجمعة، ٢٦ شباط ٢٠١٠

المنفى المُتزاوج !






إلى أين ..؟!
فها أنذا فارغة من الآخرين ، أعيش وحيدة بداخلي كـ كوخ بغابة غجرية ،
كـ مهرةٍ في الإسطبل ، كـ قطةٍ تموءُ قرب الجمرِ تستدرُّ شفقةَ الشتاءِ ،
كـ شجرةِ برتقالٍ بُعثت في أرضٍ لاشرقيَّةٍ ولا غربيَّةٍ ، كـ وثيقةِ سفرٍ محظورة ،
كـ خيوط دخانٍ متعرِّجةٍ بين سيجارتينِ ،
كـ قرقعةِ الأصفادِ في الأقبية ، كـ حشرجاتٍ بين الحيطان الضيقة ، كـ نافذةٍ مُوزَّعةٍ بين الألم
والأمل
تُطلُّ على قمرٍ وليدٍ يحبو وئيداً في تلك الرقعة اللانهائيةِ من السماءِ ، كـ كوكبٍ بعيدٍ عن مداركِ الجاذبية ،
كـ تقويم الوقتِ يدسُّ رأسهُ في الزَّمان البَليِّ ، كـ خِرافِ ريحٍ تعوي تحمل في رحمها الكثيف نجمةً مهشَّمةً ،
كـ حلمٍ غامضٍ ينحدرُ السكِّينُ فيه إلى ذروةِ الوريد كـ قرع طبولٍ تُحاول أن تُسكتَ صرخات النار في جوف القتيل ،
و كـ حبلٍ تدلَّى حتى انقطع ..!
لقد تركتُ لهم هناك كل شيء ، حتَّى أشيائي المُحبَّبة تركتها نهباً للغبار والعزلة ،
ولمْ ألِنْ أمام الحنين الممتد بمساحة العالم ، الذي انغرس بي حدَّ العظم
كـ مديةٍ منقوعة بالسُّمِّ والملحِ الحارقِ الموغلِ داخل الجلد المُتيبِّس...
مُتفرِّدةٌ هنا ، مُتدثِّرةٌ بالعتمة ، لايُؤنسُ وحدتي سوى مصابيح مُعلَّقةٍ ،
وفحيحُ ليلٍ طويلٍ لايفقأ بؤبؤهُ إلا خيوط بيضاء مبعثرة ، وشقشقة طيورٍ فوق قباب متساقطةٍ
يأكلها الصدى ودبيبُ حطامٍ مهجورٍ....
أي فراغ هذا، الذي يُقايضُ واقعي المُبهم بوثنيَّةِ الوحشة ؟
أعرف تماماً أن ما من شيءٍ يربو في الفراغ ، بلا جذورٍ لايثبتُ غيرُ الوهمِ ،
العيش معهم منفى ، والعيش بدونهم منفى آخر ،
- آه....ما أصعب المنفى المُتزاوج !

الاثنين، ٨ شباط ٢٠١٠


قايضتُ ألف غيمة بمعطفه ،لأتدثر به هذا الشتاء
وذات صباح بارد ، حزمه بين أمتعته وغادر
لا عاصم لي سوى السماء ، فهي ملاذ التائهين أمثالي !


ها أنا أودع الأيام الخوالي وأقتطعها من ذاكرتي
لأُطيرَها كما الطائرات الورقية من شرفة هذا القطار !




الرحيل ليس سيئا إلى هذا الحدّ
طالما لم أجني من حبك سوى الفُتات !



ما رائحة الغياب !






لاتفتحي فاهكِ هكذا !
لم يعد بالحياة مايدعو إلى الدهشة.

الخميس، ٤ شباط ٢٠١٠

حيث تفنى المسافات ....






هل جربتَ يوما
الرقص تحت المطر ؟
هكذا بلا موعد مسبق
في حضن الشتاء
ولسعة برد لذيذة
تتغنج مع الرذاذ
المتتالي لـ ماء السماء
وأعمدة الإنارة
الموزعة بشكل عشوائي
في شوارع
المدينة الصامتة
أمام صخب
إيقاعات حُرَّة
لا تَحُدُّها الأسوار
متلاعبة بين انعطافات الأشجار
ماذا قلتَ ؟
لاأعرف تماما
إن كانت الرقصة
تستدعي ثيابا رسمية
كلما أعرفه الآن
وفي هذا المكان
أن كل خطوة تخطوها معي
قادرة على ترتيب الكلمات
في فمي...
هاتِ يدك
لأضيع مني...
وتتسع الأرض لفرحنا
لا تفكر في شيء إطلاقا
لا في أن تتعثر قدمك
بأطراف فستاني الفضفاض
ولا من يقود خطوات الآخر
بشكل مدروس
فلا أجمل من رقصة ارتجالية
تُحاكينا ، فَـ نَتُـوه..!

الخميس، ٥ تشرين الثاني ٢٠٠٩

وحيدة يا الله !





تكسر وجهها في المرآة ، يتشظى ، تُلملم بقاياه المنثورة بشكل فوضوي ، كلما حاولت إعادة تنسيق تفاصيله ، انفلت من بين أناملها كما  الماء ، عصيٌّ على القبض ! قدمان منسوجتان من جلد يابس ، لا يُشبههما سوى كسرة خبزٍ قديمة في يد مُتشرد أضنته الزوايا ولفظته النتوءات والمرتفعات والشقوق ، يقتات على القمامة ، يستعير ظلها ، لتكون سقفه تلك الليلة ! فحيح العتمة ، يمتزج مع دندنتها المطعونة في خاصرة محمومة ترضع المعصيَّة ، ومن خلفها قهقهة رفيعة لرجل مُتخم بنبيذ أحمر مُعتَّقٍ ، يتدحرج بخفَّةٍ على جيدها الغافي ، وهو يرشف مُبتهجاً تماماً كـ بحَّارٍ ظامىء بعد تيه طويل ، للرسو على أطراف أرضٍ لم تطأها نعاله يوما !.
يتمرجح ، يُغمغم في صدغها بلين:
- هذا الكرز ، هذا النهد ، هذا الزقاق المُترع بالإستباحات ...تختلس النظر إلى ساعة الحائط العتيقة ، فيما تشق الحلكة طريقها إلى عينيها المُجهدتين ، تعتنق الصمت ، يبتلعها السكون ، وتلعن في سرها جوع الأرصفة وصُراخ الزمن العاهر!
الوقت يذبل ، يرتد الصدى المبحوح ، تتهجى أبجدية الحقد ، وتتلو داخلها جسداً يبحث عن هويته في جواز الفقر اليومي ، ويُشرِّع طقوس الهتك للريح والجرح ، ويتوحد بالدمار....
كـ مُتسوِّلةٍ يُناولها أجرتها ، فيما يمسح عنه خدر متعب ، يصفق الباب وراءه ، تجمع شتات ثوبها، لتلبسه رغم الثقوب.. تتقيَّـأ الصباح الداعر ، تثني ركبتيها بحسرة ، وتصرخ عاليـاً:
- لا أحد....، أنا وحيدة يا الله!

الخميس، ٦ آب ٢٠٠٩

الموتى أبداً لايتكلمون !





تسللت إلى الداخل كما اعتادت دوما أن تفعل بمنتهى الهدوء، وضعت يدها اليُمنى على صدرها وانحنت أمام سيدتها كما يصنع الكهنة أمام القُداس في المعابد القديمة...
هو ذا الإنكسار المُضمخ بجراح مساءات ، حرثت في ذاكرتها الوهنة فجيعة لاتستكين، لا يُرتِّقُ فتقها سوى أحلام بلَّلها النعاس غدراً!
تهمة أن تولد ومصيرك بيد غيرك ، كما لو كنت ريموت كنترول ، يتحرك بـ كبسة زر لا أكثر، وبعد أن تنتهي صلاحية بطارياته تقذفه الرياح تحتَ شرفة خريفية دون أمتعة، " لاصدى ، لا أثر ، وكأنه لم يكن يوماً!
"تُهمة جسد / روح لَا تنام إلا بأمر السيدة ، وأمنيات علتها أتربة رفوف السيدة ، ومُقَلٍ مُطفئة تحولت إلى مِنفضةٍ لـ سجائر السيدة!
تدور الجدران والأعمدة والأقواس ، تدور الوجوه والعربات والطرقات ، تتمازج الأضواء بالظلال ، يصرخ القلب وتنتحبُ الآمال العاجزة، فـ تشتعل غابات الأسى ، تتسع مسارات الدائرة وتضيق ، تنآى الكرامة عند المنعطف ، تشيرُ بـ بَنانِها علامة الصوت الموؤود ، الذي يكبح جمرة مهرة السؤال عن آخر العقاقير التي تُقاوم الصمت وتوقفُ نمو النباتات الشوكية عليها ....
مُتعبة ، مُتعبة ، مُتعبَة ، تتدحرج كـ عربةٍ مُفكَّكة عبر مُنحدرٍ وعر ، تُلاحقها نظراتٌ جاحدة ، تنسى قامتها الباسقة على أسوار الحديقة!
يفوتها أن تغفو بين راحَتَيْ عصفورةٍ مرتعشةٍ تتوقد إلى أعشاش الأمان والضوء والعنفوان ، تتعالى على العيون الزاجرة المسكونة بالفظاظة، تركض نحو المروج القريبة ، تجلسُ في حضرة العُشب الرطب والشجر المزهو بفتنة الأرض ، باخضرارها الفاحش ، يفوتها أن تركض كـ طفلة غضَّةٍ / غِرَّةٍ تحت المطر في أزقَّة المدينة ، فاغرة ثغرها المُتشقق على امتداد حبات الماء اللذيذة المُنعشة ،تبتلعها دفعةً واحدةً ، نكاية بكل الذين يسجنون حريتها في زنزانة السيدة!
تقضمُ أرغفة الشمس الساخنة ، تُقبل فجرها الخُرافي على مرآى الملأ ، تحتضنُ النجوم المُنزلقة بين ذراعيها مثل لآلىء مُسربلة على جبينها العالي....
تدور المُدن والبيوتُ والقناديل ، تستغيثُ بالمسافات ، ينفتحُ جرحٌ آخر في الروح المُثقلةِ بالعذابات ، تدور الأشياء وتدنو ، تنزاح ستارةٌ كُحلية عن صور ذميمة تتأبَّط حيطاناً موغلة في الرمادية ، تمسح الغبار عنها ، لتكشف عن وجوهٍ قميئةٍ مُترعةٍ بندوبِ القسوة، تُطاردها أطيافُها بشهوانية ، كأنَّها تُريدُ أن تأخذ حصتها منها لا أكثر، يأخذون نصيبهم فيها ، لـ يستطيعوا المُضيَّ بعد ذلك إلى سبيلهم في طمأنينة وسـلام ، تتفحص تجاعيدها عن كثب ، يرتجف الكرسي من تحتها، قبل أن تسقط في وادٍ سحيقٍ ،تُحاولُ أن تصرخ ، غير أن صوتها يتضاءل في حنجرتها ، تُجاهدُ أن تنهض فـ تخذلُها أطرافها، يصفعها بردٌ شرس ، وتنخر سكاكينه الحادَّة في لحمها ، يسترخي جسدها كـ مركبٍ فارغٍ آن له أن يرحل!
اشششش... غطُّوها ودعوها تنام..
فـ الموتى أبداً لايتكلمون !

الخميس، ٢٣ تموز ٢٠٠٩

في الطريق إلى المذبح !










من يجرؤ أن يُقبِّل جثة ؟ 

بدءاً من شفتين مضمومتين ، ذابلتين ، بعد أن غادرهما نبيذ الكرز المُعتق ، وجدائل مصفوفة تتدلّى من أعلى وجع / يباس، ُتُناغي النهد المكشوف المُتخم بالريح تارة وضرم اللهيب تارة أخرى، الثوب الأبيض القريب من خزانتها البعيد عن قلبها، الموثق حاضرها بأزمنة منسيّة ينوح اغتراب تفاصيل جسد مفقوء بالصمت، يحدق في الجمر المتأجج وسط الإكليل ، يستنطق العتمة التي تسكن محاجرها المُتورِّمة، عساها تهبها بصيص نور متخفي ...
ولأن الموت مكعبات مُلقاة بعشوائية في القارعة ، مدّت ذراعها الصغيرة كـ جناح طائر كسيرٍ، ما أفلت من رصاص طائش ، لـ يتقدم بها إلى الأمام ؛خطوةً ، خطوتين ، تتقدم برفق - تحترق - في طريقها إلى الجحيم!
تأوهت مضروعة للشموس التي بصقت لعنتها الإلهية في دربها المعوسجة ،المغشاة ببساط أحمر قانٍ ، عارٍ من كل ظل ، يمد جسدها الوهن بالقوة والصلابة !
- من يملك أن يُخمد حريق الجثة!
- من يسجن ابليس الهارب / العاري من كل الطوائف ،ويجعله يدفع ثمن خطاياه !
- من يقرأ الشهادة ويسكتُ نعيق الغربان الجائعة ، المُتحلقة حول سماءها باستمرار!
دقات قلبها الأرجواني تتعاظم وتخفت ، رائحة المر واللبان تفوح من المباخر ، نغمات الموسيقى / النحيب ، تعلو الطواف المشبوه ، المحيط بالفؤاد المسحوق لوعةً ، تنفث في تكوينها الغض ، لهاث عِلَّةٍ غريبةٍ تغتالها من بين ضلوعها، يقف الموكبُ إجلالا للموقف ، تمتد يده الخشنة لـ تحتضن أناملها المُكفَّنة ، كأنه يُريد أن ينفخ في جسدها السَّقيم ، زهرة الفرح ويُحوِّل
وجهها الغارق في الشحوب إلى واحة مفروشة بالورود الندية والياسمين ،ركعا أمام المذبح المُصفَّح بِرقوقِ العاج والذهب في انتظار المباركة الأبدية،
كانت تلك اللحظة التي سلَّمها فيها ملذات الحب ومباهج الحياة، هي نفس اللحظة التي سلَّمته فيها حريتها ومرافئ الموت ..!

;;